عندما يُطبق صبيان شيكاغو اقتصاد السوق.. حتى الموتى لن يدفنوا بدون ضرائب

صبيان شيكاغو

صورة تعبيرية

صبيان شيكاغو هوَّ مصطلح إعلامي أطلق على عددٍ من خبراء الاقتصاد في دولة شيلي

من الذين تدربوا في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الستينيات بعدما تخرجوا من كلية شيكاغو للاقتصاد.

آمنت هذه المجموعة بمقترحات الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان التي ذكرها في كتابه الأشهر: الرأسمالية والحرية.

 

تتمثل هذه المقترحات في ثلاثة نقاط رئيسية هي: الخصخصة، إزالة القواعد، والحد من الانفاق الاجتماعي.

وهذه المقترحات تعرف مجازًا بـ “ثالوث السوق الحر”.

 

وبينما كانت طلقات الرصاص تسمع في شوارع عاصمة شيلي ودانات مدفعية الجيش تسقط على المباني العامة

معلنةَ انقلاب الجيش بقيادة جنرال الرعب آوغستو بينوشي على الرئيس الاشتراكي سلفادور آلندي يوم 11 سبتمبر 1973،

كانت مجموعة “صبيان شيكاغو” بقيادة المتحمس سيرجيو دي كاسترو مهتمة بطباعة وثيقة اقتصادية عرفت

باسم الآجرّه في أحد المطابع التابعة لصحيفة إل ميركورير.

 

في اليوم التالي لانقلاب بينوشي وزعت وثيقة الآجرّه على ضباط الجيش الذين تولوا إدارة الدولة والمهام الحكومية.

 

احتوت هذه الوثيقة على خطوط عريضة لتطبيق ما يعرف باقتصاد السوق.

 

لقد حاول صبيان شيكاغو طرح الأفكار المنشورة في وثيقة الآجرّه خلال حكم آلندي الديمقراطي لكن أفكارهم ووجهت بمقاومة كبيرة.

 

أما الآن وقد أصبحت السلطة كلها والامر والنهي بيد جنرالات مدعومين من الولايات المتحدة،

فإن تطبيق هذه الأفكار على أرض الواقع أصبح أكثر سهولة عن ذي قبل.

وافق بينوشي على تطبيق المبادئ الواردة في وثيقة الآجرّه، وإن كانت الوثيقة قد تحولت إلى كتابٍ به شرح شامل لهذه المبادئ.

 

كان الجنرال آوغستو بينوشي في تلك الأثناء يكتشف بعض النواحي الجديدة في شخصيته،

فمن جنرال منقاد يمدح قادته المدنيين ويوافق على كل ما يقولونه، صار ديكتاتورًا يستولي على السلطة بشهية مفتوحة،

بل وصل به الأمر أنه أدعى أن القدر قد أوكله بواجبه المقدس في شيلي.

وعلى الرغم من براعته في الاستبداد لكنه ــ بينوشي ــ لك يكن يفقه شيئًا في الاقتصاد أو في العلوم الاقتصادية،

ومن هنا جاء الدور الكبير لـ سيرجيو دي كاسترو زعيم مدرسة شيكاغة وتلميذ فلسفة ميلتون فريدمان.

شهدت السنوات التالية تحت توصيات دي كاسترو في شيلي أكبر عمليات خصخصة للمؤسسات العامة والبنوك،

وتعرضت الصناعة الوطنية للتدمير، بل إن العمالة الشيلية المدربة وجدت نفسها تزاحم القطط والكلاب على صناديق القمامة

بعدما فُتِحَ الطريق أمام عمالة وافدة أرخص، وأدى ذلك إلى خسارة الاقتصاد لأكثر من 177 ألف وظيفة إدارية وفنية في سنةٍ واحدةٍ فقط.

 

بحلول سنة 1980 كانت الأمور الاقتصادية قد ساءت إلى أبعد حدٍ في البلاد، ولم يعد مرتب المواطن العادي يكفي إلا لشراء الخبز،

وأقفلت المدارس الحكومية أبوابها، فالتعليم أصبح سلعة يشتريها فقط القادرون،

حتى المستشفيات صارت أغلب خدماتها الصحية مدفوعة الثمن!.

بينما وصلت سياسات صبيان شيكاغو ذروتها بأن تم خصخصة المقابر، وأصبح دفن الموتى قاصرًا على من يدفع المال.

 

لم يفيق الاقتصاد التشيلي من تلك الأزمات إلا بعد منتصف الثمانينات، وكأن أحد أهم الأسباب التي منعت منذ وقوع انقلاب بينوشي أن الجنرال عديم الخبرة الاقتصادية قد رفض مرارًا الضغوط التي مارسها البعض عليه لخصخصة شركة النحاس الوطنية، وربما فعل ذلك بدافع من هواجسه الشخصية التي تدخلت حياته العسكرية والأمنية في تركيبتها.

 

كان إنتاج شركة النحاس الوطنية يُمثل 85% من صادرات البلاد.

 

مات بينوشي في 2006، وصارت تجربة “صبيان شيكاغو” في بلاده أعجوبة من أعاجيب تطبيق الاقتصاد الرأسمالي في أرضٍ لم تكن مهيأه له.

اترك تعليق