تأملات اقتصادية في زمان كورونا.. كيف وصلت البشرية إلى فوضى سنة 2020؟

تأملات اقتصادية

تأملات اقتصادية

عمليات تطهير بالشوارع للوقاية من كورونا

تفشّىَ وباء كورونا منذ مطلع السنة الجارية 2020 متخذًا من ووهان الصينية بؤرة راح منها ينتشر إلى جميع أنحاء العالم.

دخل الشهر الثالث لانتشار الفيروس فإذا بأعداد الوفيات بالعالم ترتفع بصورة غير متوقعة.

لأول مرة في التاريخ الحديث تقريبًا اتخذت أغلب دول العالم الكبيرة منها والصغيرة، الغربية منها والمشرقية، إجراءات لم يحدث لها مثيل،

حيث توقفت الطائرات على مدارج المطارات التي أغلقت أبوابها.

كما ألغيت الرحلات السياحية ودوريات كرة القدم وبطولاتها المحلية والقارية.

إلى أن وصل الأمر إلى إعلان حظرٍ كاملٍ للتجوال في بلدان ليست بقليلة.

مدن كبيرة أيضًا مثل نيويورك الأمريكية أعلنت وعلى لسان الرئيس دونالد ترامب منطقة كوارث، وقد سبقتها إلى ذلك المصير 15 مدينة

إيطالية.

هذا هو مشهد العالم اليوم. تأملات اقتصادية

عالم مضطرب ويضطرب أكثر كل يوم. تأملات اقتصادية

سكان العالم في حيرة من أمرهم مما يجري حولهم.

الكل يخاف من المرض ومن الموت. تأملات اقتصادية

دفعتنا تلك الأحداث السريعة المخيفة وانهيار أسواق الأسهم وذهاب أسعار النفط إلى غياهب المستويات التاريخية الدنيا، أقول دفعتنا في

قسم المحتوى بموقع تداول إلى البحث في الخلفيات السياسية والاقتصادية لعالم اليوم، ولعلنا نستطيع أن نرسم لزوار الموقع تأملًا

مكتوبًا لِما كان عالمهم عليه، وقبل أن نصل إلى هنا، وذلك من خلال عدة مقالات سوف تنشر يوم الأحد من كل أسبوع، وبدءًا من اليوم.

الطقس الدولي: تأملات اقتصادية

تأملات اقتصادية

الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة في العالم ــ علم الولايات المتحدة ــ صورة تعبيرية

كمدخل إلى موضوع هذه المقالة فإننا أمام لحظة لا يُمكن فيها استخدام الكلمات المألوفة والمعروفة والمشهورة، وهيَّ أننا بصدد لحظة

خطيرة، فحتى الكلمات قد فقدت معانيها ضمن أشياء كثيرة جدًا ضاع منها المعنى.

لكن ببساطة يُمكن القول بأننا في لحظة في المجتمع الدولي أو في الحياة الدولية في هذا العالم المعاصر لا نشهدها كثيرًا في حياتنا.

تختلف كذلك تلك اللحظة عن المسار العادي للأمور لأنها لحظة من تلك اللحظات التي تتحدد فيها مسارات، وتتحدد فيها مصائر.

الوضع الدولي في هذه المرة وفي مستجدات الظروف التي نعيش فيها لم تبدأ اليوم، أو منذ الأمس، لكن ملامحها بدأت بالتشكل منذ

فترة.

أولى ملامح هذه الظروف أننا في العالم لسنا أمام صراع قوى أو توازن للقوى.

إنما نحن أمام مصالح أخرى ليست لها حدود سياسية، وأمام قوى أخرى ليس هناك قيد من قانون أو عرف على فعلها.

بالتالي فإن الإنسانية أمام أمر آخر ومناخ آخر مختلف.

ثاني ملامح هذه الظروف هي أننا أمام عالم صراعاته تجري بوسيلة أخرى، وبطرق أخرى عن تلك التي كنا نعرفها.

كان الإنسان يعرف أن هناك وسيلتين فقط لمعالجة الأمور، هما: الدبلوماسية والحرب، فإذا فشلت الدبلوماسية لم يعد هناك إلّا أن يتكلم

السلاح.

لكن هذه المرة العالم كله أمام شيء مختلط، ومختلط جدًا.

 

عناصر عالم اليوم: تأملات اقتصادية

تأملات اقتصادية

نظرية السوق المعتمدة على العرض والطلب سقطت في العالم ــ صورة تعبيرية

نحن أمام عالم بسبب موازين القوة النووية يستحيل فيه استعمال الحرب.

لذا أصبحت هناك وسائل أخرى لممارسة الصراعات.

باستمرار العالم بجانب ما كانت تحكمه قوى كبرى، تحكمه أيضًا أفكار أو نظريات سائدة مجتمعية يتكلم الناس عنها، مثل الرأس مالية

والشيوعية… إلى آخره.

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات العشرية الأخيرة من القرن العشرين كثر الحديث عن مصطلح اقتصاد السوق.

حدث بالوقت الحاضر خلل لنظرية السوق.

ذلك لأنه ولأول مرة في تاريخ الإنسانية أصبحت تشتري ما لا حاجة لها به، وتدفع بما لا تملكه.

أدخل ذلك العالم في مشكلة من نوع غريب جدًا.

بمعنى أن نظرية السوق قديمًا كانت تعتمد على منتج ينتج سلعة، وهو يُحاول أن يبيعها إلى طرف يحتاج إليها، هوَّ لديه ما يشترى به.

بمعنى آخر أن شخص لديه بضائع، والآخر لديه النقد اللازم للشراء.

هذه النظرية اختلت جدًا، لأن يد السوق الخفية التي كانت تنظم العرض والطلب لم تعد موجودة.

أصبح بالوقت الحالي خلق طلب صناعي بالإعلام وبالإعلان وبالسينما وبالنموذج وبالسفر، وبوسائل أخرى كثيرة جدًا، وقد يدفع خلق

الطلب هذا الناس أحيانًا إلى شراء ما قد لا يريدونه بوسائل لا يملكونها.

دخلت البشرية بالتالي في مشكلة على مستوى الأفراد وعلى مستوى الدول، لكي تلبي مطالبها التي تزيد عن احتياجاتها بالديون.

تحول العالم بسبب ذلك الخلل في نظرية السوق إلى عالم مرهق بالديون.

بلد مثل الولايات المتحدة التي كان الجميع يتصورون أنها الأغنى، أليس غريبًا أن أحدث الأرقام تقول بأن كل مواطن أمريكي كان يدخر 10%

من دخله لمدة 15 سنة.

ثم اختلف الوضع فإذا بكل مواطن أمريكي مدين بـ 10% من قيمة إجمالي دخله.

الدولة الأمريكية نفسها مدينة بـ 14 تريليون دولار، في مقابل دخل قومي أقل من ذلك الرقم.

كل الناس في العالم أصحوا في حالة عجز.

عالم كله يسير بالدين، ويشتغل بالدين، ويتاجر بالدين… إلى آخره.

إذًا في هذا العالم الآني صراع الدول القديمة لم يعد موجودًا.

النظريات القائدة أيضًا لم تعد موجودة.

سكان العالم دخلوا في قضايا أخرى، مثل قضايا الاستدانة.

مَن على أفق العالم؟

العالم باستمرار في حاجة إلى دولة تقود حركته، وفي وقت من الأوقات كانت الإمبراطورية البريطانية كانت هي الدولة التي تقود، ومنذ

بداية النظام الدولي.

تحولت القيادة فيما بعد إلى تحالف الإمبراطوريات، المكون من البريطانيين والفرنسيين.

عندما سقطت بريطانيا لأول مرة بدا أن هناك الولايات المتحدة صاعدة ومعها الاتحاد السوفيتي.

الأمريكيين والسوفيت لاحقًا في حربهم الباردة أرهقوا بعضهم البعض إلى درجة غير طبيعية، والطرفين تقريبًا قضوا على بعضهم البعض.

الاتحاد السوفيتي اختفى.

بينما الولايات المتحدة ولأنها أغنى وأقوى فهي موجودة، وهي إلى حدٍ ما الطرف القادر على المقاومة، لكنها في طريقها للهبوط.

مع استمرار الصراعات وهيَّ ضرورية في حياة البشر وطبيعة الأمور، ولأن الأساس الأول في الحياة الإنسانية هو المنافسة، التي تتحول

إلى احتكاكات وصدامات، ونتيجة أنه ولأول مرة ليست أمام البشرية قوة صاعدة، فباستمرار المجتمع الدولي في حاجة إلى قوة تنظم

أحواله بشكلٍ ما على نموذج الدولة القائدة أو مجموعة الدول القائدة، ولأول مرة لم يعد ذلك موجودًا.

ليس على الأفق ما يشير إلى دولة صاعدة أو قوة صاعدة، أو إلى تحالف دول.

ما على الأفق هوَّ مجموعات مصالح غريبة جدًا، وهي مرتبطة بقوى إلى الدرجة أن فكرة الحرب أو الصراع والسلاح أصبحت داخلة في

نظام مقاولات.

يُضاف إلى ذلك أن اقتصاد السوق والذي كان البعض يعتبرونه نهاية التاريخ ليس هو نهاية التاريخ.

أدى كل ما سبق إلى بدء مرحلة من الفوضى الشديدة.

زاد على حالة ممارسة الصراع أن الحروب أصبحت بلا دماء، وبلا جيوش.

النار ملك للأقوياء، والدماء لدى الضعفاء.

قبلت شعوب كثيرة بهذا الوضع.

لكن بمرور الوقت بدأ الضيق يظهر في المجتمعات حتى تفجرت بعضها أو فُجرت عن عمد، وعلى طريقة ما سُميَّ إعلاميًا بـ الربيع العربي.

لكن لم يؤدي ذلك إلى حلول، ولا استتبعه تضافر الدول الكبيرة على صياغة نظام عالمي توافقي جديد.

هذا هو شكل العالم الذي نعيش فيه اليوم.

بالتأكيد هذه الأحوال لم تحدث بين عشية أو ضحاها وليست طارئة، فهل هناك نقطة معينة منها انطلقت الإنسانية نحو هذا العالم الذي

أصبح بدون قيادة كما كان في السابق؟

الإجابة هيَّ موضوع المقال القادم.

اترك تعليق