تأملاتٌ اقتصاديةٌ في زمن كورونا (2).. العالم يشتري الديون بالديون!

تأملاتٌ اقتصاديةٌ في

تأملاتٌ اقتصاديةٌ في

بورصة وول ستريت ــ صورة تعبيرية

قبل تفشي فيروس كورونا في العالم على هذا النحو وغلق المطارات والموانئ، كان العالم قد وصل إلى ذروة صراعات اقتصادية، عرفت

بالحرب التجارية.

من جانبنا بدأنا منذ الأسبوع الماضي في موقع تداول إعداد مقالات أسبوعية عن أسباب تلك الصراعات وجذورها، محاولين أن نستكشف

من خلال البحث في الخلفيات تصورات لما قد تصل إليه الأمور بالمستقبل المنظور.

في المقال السابق ــ أولى المقالات ــ سعينا إلى تشخيص أبرز ملامح عالم اليوم. تأملاتٌ اقتصاديةٌ في

لكن ما وصل إليه عالم اليوم لم يحدث بين عشية وضحاها، أي أن حالة الفوضى الشاملة تلك ليست طارئة.

كانت هناك بالتأكيد نقطة إنطلاق.

الرأسمالية أخطأت أخطاء جسيمة جدًا.

نحن هنا للتذكير لسنا بصدد نصب محاكمة صحفية أو اقتصادية للرأس مالية.

أول أخطاء الرأسمالية كان تصور الولايات المتحدة الأمريكية وهمًا أن لديها سيادة العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وأنها بوسعها بفعل

ما تشاء.

يأتي بعد ذلك الخطأ الثاني، وهو اللجوء إلى الاستدانة.

حدث ذلك بالتوازي مع عدة عوامل.

من بين تلك العوامل:

رغبة الغرب في تعظيم المكاسب في عالم فقد كثيرًا من أفكاره، لأن ضياع فكرة الماركسية، وضياع فكرة نظرية السوق، دخل العالم في

فراغ فكري فظيع.

الفصل بين مواقع المال ومواقع الإنتاج.

بمعنى: أن الغرب اكتشف أن العمالة رخيصة في منطقة شرق آسيا (تحديدًا الصين والهند)، فقام بنقل صناعات عديدة إلى آسيا.

تصور الغرب آنذاك أن الآسيويين سوف يستمرون كأيدي عاملة رخيصة فقط لصالح الإنتاج من دون أن يتعلموا ويتطوروا.

ما حدث عكس ذلك تعلم الآسيويين وتطوروا جدًا.

أدى ذلك إلى تراكم رأس المال في منطقة جنوب شرق آسيا التي أصبحت مفرخة لمليارديرات العالم الجدد.

الإنتاج الآسيوي أصبح قوة مناوئة للقوة الغربية.

المشكلة أن القوة الآسيوية لا تستطيع حتى اليوم أن تشارك في إدارة النظام الدولي، كما أنها ليست لديها القوة العسكرية للمحاولة

على الأقل.

على ما يبدو أيضًا أن الدول الآسيوية الصناعية الكبيرة، الصين والهند، على سبيل المثال، لا تريدان أن تشاركا في إدارة النظام الدولي،

مكتفين بالصناعة وتطوير المنتجات التكنولوجية وتصديرها للعالم بأسعار رخيصة، وتحقيق تنمية مجتمعية واقتصادية من عوائد هذه

الصادرات.

المال في موطنه الأصلي: تأملاتٌ اقتصاديةٌ في

تأملاتٌ اقتصاديةٌ في

العُملة الأمريكية الدولار ــ صورة تعبيرية

بقي الغرب غنيًا بأمواله.

لكن المال الغربي تحول إلى سلعة.

أحد محافظي البنك الفيدرالي الأمريكي قال قبل سنوات إن الاقتصاد الدولي تحول إلى أوراق تطارد أوراق، تحول إلى صكوك ديون

تشتري بالدين صكوك ديون أخرى!.

كلام هذا المسئول الأمريكي يلمس الصواب والحقيقة إلى حدٍ كبير.

أغلب بلاد العالم اليوم صارت مطالبة سنويًا بسداد فوائد ديون فقط تبلغ 25% من ناتجها القومي أو من ميزانياتها.

نتكلم هنا عن فوائد الديون، وليس أصلها الذي لا يستطيع أحد الاقتراب منه، ولا يستطيع بسبب العجز عن السداد.

ما سبق كان نتيجة غرور الرأسمالية التي اعتقدت أنها انتصرت، وقيامها بفصل مناطق الإنتاج عن مواطن المال.

 دخول الإعلان بقوة تسهيلات الدفع جعل الناس من خلال بطاقات الائتمان يقبلون على شراء ما لا يريدونه.

تراكمت الأقساط وصارت ديونًا هي الأخرى.

الدول من جانبها فعلت الأمر نفسه بسندات الخزانة.

هذا كله تحت مظلة الدولار الأمريكي، وما الدولار الأمريكي سوى أوراق تطبع في مطابع واشنطن.

هيمنة متراجعة:

تأملات اقتصادية

الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة في العالم ــ علم الولايات المتحدة ــ صورة تعبيرية

تمثل الولايات المتحدة وكيل الرأسمالية في العالم.

مع نهاية العشرية الأولى من القرن الحالي، كتب محللون كثر حول قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار كقطب أوحد يدير العالم.

آراء أغلب هؤلاء استقرت على أن أمريكا بصدد على الأقل 25 سنة لكي يتراجع دورها القيادي.

المثير أنه بعد سنة واحدة فقط، تحديدًا قبل نهاية سنة 2011 تغيرت الآراء حول ذلك الأمر.

الولايات المتحدة كقوة تضبط شأن العالم لا تزال هي الأقوى، وسوف تظل هي الأقوى.

لكن القدرة الأمريكية على السيطرة تتراجع.

أبرز نموذج على تراجع السيطرة، مقارنة الغزو الغربي للعراق في سنة 2003، مع ما حدث منذ اندلاع الأحداث المأساوية في الشرق

الأوسط نهاية 2010.

في الحالة العراقية تدخل الأمريكيون كجيش غازي يمشي جنوده على الأرض وأسقطوا نظامًا بالقوة العسكرية، وأقاموا بقوة السلاح

نظامًا آخرًا بديلًا له.

في الحالة الثانية تحول الموقف بشدة.

التدخل الأمريكي وحلفاؤها الغربيون فقط كان من خلال الطلعات الجوية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيرة، والصواريخ المسيرة الذكية،

ومن دون أن يشارك جنديًا واحدًا في اشتباكات مباشرة على الأرض.

إذًا أمريكا لم تعد تملك إمكانية أن تتصرف وحدها وبطريقة مباشرة.

ثمة شيء آخر يواجه الولايات المتحدة وهيَّ أن ما أمامها الآن وتواجهه في العالم ليست دولًا من طراز الاتحاد السوفيتي السابق.

إنما قوى من نوع آخر.

لهذا أصبح التصرف الأمريكي يقتصر على تحريك أدوات القوة التي بأيديها.

جاء من هنا أسلوب توظيف الآخرين.

أسلوب توظيف الآخرين عرف عند الأمريكيين منذ حرب إسقاط معمر القذافي في ليبيا بأسلوب القيادة من الخلف.

بالتأكيد هناك فرق بين قوي يمارس قوته الإمبراطورية بما لديه من وسائل، وبين قوي يعمل بأسلوب المقاول يرتب الآخرين ويرتب

الفاعلين، لكنه لا يزال المدير.

ذلك يعني أن أمريكا لا تزال الأقوى وإن انتقلت بالظروف وظيفتها من وظيفة الفاعل القادر إلى المدير الناجح (إن جاز القول).

حدث إذًا تراجع في القوة والهيمنة الأمريكية.

خلق ذلك ظاهرة مستجدة في العالم، سوف يحتاج إلى وقت لكي يفهمها و يستوعبها، فالرأسمالية لم الانتصار النهائي، مما دفع بالجميع

للبحث عن شيء آخر لكن لم يجدوه بعد.

بالإضافة إلى عدم وجود بشائر تشير إلى أنه سوف يظهر.

تفاصيل أخرى في المقال القادم.

اترك تعليق