بهذه الطريقة يُباعُ العالمُ بين الكبار أكثر من مرة خلال القرن العشرين

القرن العشرين

صورة تعبيرية

ما من كاتبٍ أو مؤرخٍ وربما حتى ما من سياسيٍ إلا يؤكد أن القرن العشرين كان القرن الأكثر خروجًا عن المألوف في تاريخ البشرية.

 

لقد شهد هذا القرن تفاعلات غريبة كان أبطالها في المشرق ممن يتحدثون العربية والفارسية،

بينما كان النجوم الأكثر تلألًأ من الأبطال يتحدثون الإنجليزية والفرنسية والألمانية في الغرب المتقدم.

أدت هذه التفاعلات إلى أدوار أكبر للقرن العشرين في تاريخ البشرية، ففيما كانت بريطانيا هيَّ سيدة العالم خلال القرن التاسع عشر،

فإن رأي التاريخ في هذه الإمبراطورية خلال القرن العشرين كان مختلفًا.

تراجعت بريطانيا مفسحةً الطريق للولايات المتحدة الأمريكية، أو بتعبيرٍ أصدقٍ أزاحها الأمريكيون،

فقد استفاقت الولايات المتحدة من عزلتها بأمريكا الشمالية، حيث تجمع فيها المستوطنون البيض ذوي التوجهات الرأسمالية،

ثم تأتي سبعينيات القرن العِشرين وقد أصبحت بلادهم الجديدة صاحبة أكبر اقتصاد صناعي في العالم، متخطيةً بذلك منافسيها الأوروبيين.

 

لكن كيف تحول القرن العشرين من أوروبي صرف إلى أمريكي؟

 

القرن العشرين

تمثال الحرية بمدينة نيويورك الأمريكية

ضُرِبَ النظام العالمي الذي كانت المجتمعات الأوروبية هيَّ أعمدته التي يقفُ عليها وسط العالم بشدة في الحرب العالمية الأولى.

 

كان هذا النظام قد أتم بناؤه وأحكم سياساته وفرض سيطرته على حركة التجارة والصناعة بالعالم خلال القرن التاسع عشر.

 

مثلت مأساة الحرب العالمية الأولى حالة الانهيار الكامل للمجتمعات الأوروبية، حتى إن بعض المؤرخين

وصفوا الفترة الزمنية الممتدة بين 1914 إلى 1945 بأنها عصر الكارثة.

 

فخلال عصر الكارثة إندلعت حربين طاحنتين، ثم توقفت الحرب الأخيرة عند واقعٍ جديد عُرِفَ فيما بعد باسم: عصر الحرب الباردة.

 

كتب عصر الكارثة نهايةُ للقوة التي مارسها النظام الأوروبي الإمبريالي،

كما استبدل هذا النظام خلال النصف الثاني من القرنِ العِشرين بنظام سياسي عالمي آخر يقومُ على التوازن بين

قوتين نوويتين هما الولايات المتحدة الأمريكية واتحاد الجمهويات السوفيتية الاشتراكية،

ولاحقًا سقط هذا النظام العالمي أيضًا أو أسقط بتفكك الاتحاد السوفيتي قبل رحيل القرن العجيب بأقل من 10 سنوات.

 

معالم على الطريق.. ثورة روسيا:

 

فلاديمير لينين قائد الثورة البلشفية

بينما كانت مدافع الجيوش المشاركة في الحرب العالمية الأولى تضرب طلقاتها فتزيل معالم الحضارة والعمران والتقدم الصناعي

في أوروبا، كان الغليان السياسي والاجتماعي في روسيا قد وصل إلى أقصى درجاته،

فانفجرت ثورة أكتوبر سنة 1917، والتي عرفت بالثورة البلشفية.

 

جاءت هذه الثورة بأهدافٍ جديدة على قمتها تحويل العالم اجتماعيًا واقتصاديًا من الاقتصاد الرأسمالي إلى المجتمع الاشتراكي،

وفي سياقٍ عالمي.

اشترطت الثورة أن تكون بداية التحول من منبعها روسيا وريثة إمبراطورية القياصرة المتداعية التي

تمتد حدودها ما بين بحر البلطيق والبحر الأسود، ومياه المحيط الهادئ.

 

لم يحدث الانتشار المنشود للثورة الروسية خلال السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى، لكن آثار هذه الثورة راحت تظهر في أماكن

عديدة بالعالم، وبالذات في الصين.

 

أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد كان الانتشار مثيرًا وسريعًا، فبينما 30 سنة كانت قد مرت على وصول قائد الثورة فلاديمير لينين إلى

مدينة بتروغراد الثورية القديمة (سان بطرسبرغ حاليًا) معلنًا نجاح أفكاره وأفكار سلفه كارل ماركس في إسقاط إمبراطور روسيا القيصرية،

كان ما يزيد عن ثلث سكان العالم قد أصبحوا يعيشون في ظل دولٍ تحكمها أحزاب شيوعية.

 

الأمر لم يتوقف عند السياسة فقط، بل تخطاها إلى الاقتصاد، حيث كان النظام الاقتصادي السوفياتي الجديد البديل المتاح لنظام السوق

الرأسمالي في أوروبا بعدما وقعت الأزمة المالية العالمية المعروفة بـ “الكساد الكبير” بين سنوات: 1929 ــ 1933.

 

الزلزال الكوني والسنين الثلاثين المجيدة:

صورة تعبيرية

مثلت الأزمة المالية العالمية زلزالًا كونيًا داهم الرأسمالية في عقر دارها.

 

الاقتصاد الأمريكي نفسه لم يسلم من آثار هذا الزلزال وناله جزءًا من الركود.

 

على النقيض ظهر أن الاقتصاد السوفيتي الشيوعي يتمتع بالمناعة ضد هذه الأزمة، من خلال اعتماده على ما يُعرف بالخطط الخمسية.

انتقل نظام الخطط والتخطيط على الطريقة السوفيتية من أرض البلاشفة إلى سائر الدول الأوروبية حتى تلك المختلفة مع السوفيت

أيديولوجيًا، ومن ثمَّ اتجهت غالبيتها نحو ما يُعرف بالتحديث عبر التصنيع.

وقد وصف الاقتصاديون الفرنسيون الفترة التي طبقت فيها خطط التحديث عبر التصنيع في أوروبا بـ “السنين الثلاثين المجيدة”. وشارك

القطاعني العام والخاص بعضهما البعض في هذه الخطط على النمط الاشتراكي.

 

انهيار إمبراطورية الشمس:

خريطة الإمبراطورية البريطانية خلال القرن العشرين ــ صورة تعبيرية

أدت الأزمة المالية العالمية وفوران الشيوعية إلى إرجاء انهيار الإمبراطورية البريطانية بعض الوقت.

فحتى بعد الحرب العالمية ظلت الإمبراطورية البريطانية تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وإن كانت

أهم هذه الأراضي هي التي تقع بالشرق الأوسط.

اكتسبت منطقة الشرق الأوسط بعد سقوط الخلافة العثمانية أهمية كبيرة جدًا في الشئون الدولية، حتى إن هذه الأهمية أصبحت تتعدى

أهميتها خلال القرن التاسع عشر.

بانسبة للإمبراطورية البريطانية كانت الشرق الأوسط هي الطريق الاستراتيجي لمصالحها بدايةً من ممر قناة السويس، وصولًا إلى

إمدادات النفط الهائلة التي راحت تخرج من تحت الأرض في العراق وإيران، وشبه الجزيرة العربية.

أعطت كذلك هذه الأهمية منطقة الشرق الأوسط دورًا جديدًا، أو ربما إن صح القول حاسمًا في تطور الأحداث على الساحة العالمية.

ظهر الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط خلال الحربين العالميتين.

وبحلول الخمسينيات بدأت المتاعب تواجه بريطانيا في الشرق الأوسط، ففي حين أنها انسحبت طواعيةً من جنوب شرق آسيا سنة 1947

مخلفةً ورائها 3 دول، الأصل فيهم الهند، ثم خرجت بنجلاديش وباكستان من تحتها، فإنها لم تكن مستعدة لأن تترك منطقة الشرق الأوسط

وفي القلب منه قناة السويس والبترول الإيراني والعراقي.

فشلت بريطانيا عسكريًا في تحقيق مساعيها، إذ خسرت سياسيًا بسبب حملتها العسكرية على مصر لاستعادة قناة السويس سنة 1956

، ليكتب هذا الفشل الخروج الأخير لها من نادي الإمبراطوريات العظمى في العالم، وبالتالي يتقاسم إدارة نادي الكبار فقط الأمريكيين

والسوفيت.

تمكن الأمريكيين في وقت لاحق وقبل نهاية القرن من الانفراد برئاسة هذا النادي من دون منازع.

اترك تعليق